محاكمة مراكش الكبرى هي واحدة من أشهر المحاكمات السياسية في تاريخ المغرب المعاصر. جرت أطوارها سنة 1971 بمراكش, وكان أغلب المتهمين الماثلين فيها من المنتمين لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. حوكم في المحاكمة 193 شخصا آزرهم 52 محاميا من هيئات الرباط والدار البيضاء ومراكش. دامت المحاكمة حوالي 3 أشهر متواصلة من 14 يونيو 1971 إلى 17 أكتوبر, ومرت في 64 جلسة دامت لـ290 ساعة, قبل أن تنتهي بإصدار 11 حكما بالإعدام، و400 سنة سجنا نافذا على المتهمين
السبت، 27 يوليو 2024
الخميس، 4 فبراير 2021
حياة على حد البندقية والقضبان سيرة المناضل عبد ا...
الخميس، 7 يناير 2021
رحيل المناضل الاتحادي احمد خيار
الأربعاء، 25 نوفمبر 2020
المقاوم الرمز، الحاج بحسين بويا
حفيظ الإدريسي
استوقفت الشيخ نوحي، حول بعض من أولئك المعارف، فلم يتردد في ذكر شخصية غادرتنا منذ عامين في صمت رهيب.. قادني الفضول للاستفسار عن المقاوم الرمز، الحاج بحسين بويا، وبالأخص، في الشق المتعلق بانخراطه في صفوف رجالات التحرير بالجنوب المغربي.
ومن خلال رواية المقاوم إبراهيم نوحي، حاولت التمهيد لعمل تعريفي بالرجل، وفق نقطتين بارزتين؛ تعنى الأولى بعلاقة المرحوم الحاج بحسين بويا بالمقاوم نوحي، وتحوم الثانية حول طبيعة العلاقة التي تجمعه بشيخ العرب.
وقبل الحديث عن النقطتين، ومن باب الأمانة العلمية، نود أن نشير في مستهل هذا العمل، إلى أن الأستاذ الباحث محمد لومة، أورد صورة للمناضل بحسين بويا، ضمن قائمة أعضاء منظمة شيخ العرب، الذين برزوا خلال محاكمات 1964-1967 و1971، من خلال كتابه القيم: "المس بأمن الدولة من خلال محاكمة مراكش الكبراء: ثورة شعبية أم مناورة للتحريك؟ دراسة قانونية وسياسية وتنظيمية وأمنية"، (تقديم: النقيب عبد الرحمان بنعمرو والأستاذ الحبيب الفرقاني).
بين بويا ونوحي معزة عظيمة..
يقول المقاوم نوحي، بأنه قابل رفيقه في النضال، الحاج بحسين بويا، سنة 1984 بحي الموظفين، بمدينة أكادير. وكان اللقاء يتمحور حول قضية جيش التحرير بالجنوب المغربي، وبالضبط، علاقته بالمقاوم أحمد فوزي كوكليز (شيخ العرب).
أخبرني محدثي أنه تعرف على الشيخ بحسين سنة 1962، بشارع الفداء (درب السلطان)، بمدينة الدارالبيضاء. وكان صاحب سيارة تعليم "تاليوين" آنذاك.. كان محله يجاور محلي، "محل التقدم" لبيع السيارات المستعملة.
ويضيف، كانت اتصالاتي بالرجل منتظمة، وكانت علاقتنا المتميزة للغاية، لا تنطلق من كوننا أبناء إقليم واحد؛ فعلى الرغم من وجود العديد من أبناء الإقليم بدرب السلطان، وخاصة القادمين من إسافن، أكوليز وأقا... فإن معزة الرجل في قلبي عظيمة، وستزداد علاقتنا توطدا، لما علمت بأنه أحد معارف صديقي الغالي، شيخ العرب.
ضريبة الانتساب لمنظمة شيخ العرب
بما أن المرحوم أحمد فوزي في أمس الحاجة إلى وسائل النقل والتنقل، فإنه وجد في وفي الحاج بويا، خير سند له ولتنظيمه، وبالخصوص، حينما قامت الدولة بمضايقته، والبحث عنه لإعدامه بموجب حكم الإعدام الصادر عن محكمة تارودانت سنة 1960.
لقد ساند الراحل بويا التنظيم السري لشيخ العرب، منذ سنة 1962 إلى غاية 1964 بالدعم المادي، لكنني لست على علم يقين عما إذا كان الرجل قد شارك ميدانيا في عمليات التنظيم، يقول الشيخ إبراهيم نوحي.
وأضاف، بأن ذاكرته تحتفظ بذكريات كثيرة، منها أن الرجل اشترى سيارتين لمنظمة شيخ العرب من ماله الخاص، من نوع "شيقرولي وبيجو 203"، ومنها أن بويا خفف عنه عبء المسؤولية الثقيلة التي حمله إياها شيخ العرب.
بتهمة حيازة السلاح والذخيرة، وفي إطار منظمة شيخ العرب، ألقي القبض على الحاج بحسين بويا، وحوكم سنة 1971 في إطار محاكمة مراكش المشهورة... قضى الرجل في سجن القنيطرة زهاء أزيد من عشر سنوات.
![]() |
الأربعاء، 18 نوفمبر 2020
تأملات في زمن الاعتقال السياسي بالمغرب
تأملات في زمن الاعتقال السياسي بالمغرب
معاريف بريس
| ||
لمن تقرع الأجراس”وثيقة نادرة للفقيد: أحمد بنجلون
لمن تقرع الأجراس”
وثيقة نادرة للفقيد: أحمد بنجلون
بعد اعتقاله بمدريد ” إسبانيا” سنة 1970 و تسليمه رفقة “سعيد بونعيلات” إلى السلطات المغربية، سيتعرض أحمد بنجلون للتعذيب القاسي طوال تسعة أشهر من مكوثه في مخفر التعذيب السري ” دار المقري” ، ليتم بعد ذلك نقله إلى سجن القنيطرة ثم مراكش، حيث ستتم محاكمته و إصدار حكم في حقه ب10 سنوات سجنا نافذة، و سيطلق سراحه يوم 12 ـ 12ـ 1975 أي ستة أيام قبل اغتيال شقيقه الشهيد عمر بنجلون.
قيل الكثير منذ وفاته عن بشاعة التعذيب الذي تعرض له، مع أنه كان منسيا قبل رحيله و يعيش ورفاقه تهميشا مقصودا من المشهد السياسي والإعلامي بسبب مواقفه السياسية. وهكذا بقي يعاني المرض في صمت نتاجا لما تعرض له من تعذيب جسدي بشع. و معاناة نفسية رافقته 45 سنة، كان قويا في مواجهتها و مواجهة أثارها.
ورغم أنه كان يقر أن التعذيب الذي تعرض له لا يمكن وصفه، فإنه كان كل ما أتيحت له الفرصة، يذكر مقالا وصف فيه بدقة ما تعرض له في ” دار المقري ” من تعذيب وحشي رفقة ما يقرب 193 مناضلا من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية المتهمين بالتحضير لعمليات مسلحة و الذين سيحاكمون في محاكمة مراكش سبتمبر 71 بأحكام قاسية.
“لمن تقرع الاجراس” هو عنوان المقال، اقتبسه الراحل من رواية ل “أيرنيست هيمينغواي” وقد أذاعته إذاعة الاتحاديين بليبيا ” التحرير” في سنة 72 و نشر في بعض الجرائد الصادرة في فرنسا.
لم ينشر المقال في أي جريدة أو مجلة في المغرب، و قد عثرتُ عليه في مجلة ” إفريقيا اليوم” و هي مجلة فصلية كانت تصدرها الجمعية الفرنسية للصداقة و التضامن مع الشعوب الأفريقية. والتي قامت بإصدار عدد خاص عن المغرب ـ العدد 19 سنة1980. المقال نشر تحت عنوان ” عابر من دار المقري ـ شهادة عن التعذيب في المغرب” بدون الإشارة إلى كاتبه.
وقد قال الفقيد أحمد بنجلون عن المقال ـ الشهادة ـ في أحد الحوارات:
” قد كتبت في سنة 1972 نصا باللغة الفرنسية ترجمته إلى العربية، أي فقط سنتين بعد تعرضي لعذاب لا يمكنكم أن تتصوروا بشاعته، كتبت النص المذكور حين كنت أقضي عقوبة الحبس لمدة عشر سنوات بالمركز السجني بمدينة القنيطرة، كان هناك الحجاج الذين لازمونا في دار المقري وفي سجن مراكش وسجن القنيطرة.. كانوا يحرسوننا، وهو ما كان يعني أننا كنا دائما تحت رحمة أزلام أوفقير الذين كان بإمكانهم في أية لحظة إعادتي إلى دار المقري أو أي مكان آخر للاعتقال والتعذيب السري، لقد واتتني الشجاعة في سجن القنيطرة لكتابة نص أصفه بدون تواضع زائف بأنه نص جيد باللغتين الفرنسية والعربية وذلك على المستويين: الغنائي واللساني، ضمنته وصفا ليوم في معتقل دار المقري أشبه بما كتبه الكسندر سولجنستين عن الكولاك.. تحدثت فيه عن الكيفية التي كان يجري بها التعذيب، وعنونته ب “لمن تقرع الأجراس؟…” حيث كانت البداية صباحا في دار المقري عندما يقرع الجرس على مجموعة من المعتقلين يصلون إلى نحو سبعين شخصا ممددين من أثر المعاناة كانوا يتساءلون: لمن يقرع الجرس كل مرة لكي يساق إلى التعذيب.. كنا نحاول جعل أنفسنا أقل حجما، حيث كنا نتكون على أنفسنا.. وكما يحدث في خنادق الجبهة كنا نأمل مثل الأنذال أن تكون الرصاصة التي هي الجرس، قد قرعت لشخص غير الأنا.
بعثت بالنص المذكور سنة 1972 عن طريق بعض الأصدقاء وبعض الموظفين الذين أوصلوه إلى الإذاعة الليبية، صوت الحرية، التي أذاعته في حلقتين متتابعتين، في ذلك النص كنت قد أدنت الذين عذبوني، وعلى رأسهم: محمد العشعاشي، والحاج سفيران، وعبد المجيد القباج، ورئيس آخر: الحمياني، الذي بلغت به الوقاحة إلى حد تقديم شهادته أمام المحكمة …” انتهى تصريح أحمد بنجلون.
في ما يلي الشهادة ـ المقال ـ كما نشرته مجلة ” إفريقيا اليوم”:
هذه مقتطفات من شهادة مناضل تم اعتقاله سنة 1970، و قدم إلى محاكمة مراكش في يونيو 1971 مع 160 من رفاقه في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية.
وتكشف هذه الوثيقة بكل دقة المعاملة اللا إنسانية التي يعاني منها كل مناضل تقدمي داخل سجون النظام المغربي.
إن من واجب الرأي العام الديمقراطي التنديد بمثل هذه الأساليب الوحشية ومرتكبيها، والتضامن مع كل المعتقلين السياسيين المغاربة من أجل إطلاق سراحهم.
عابر من دار المقري ـ شهادة عن التعذيب في المغرب:
بالأمس القريب، كان الخدم يصعدون بالأطباق النحاسية المحملة بالأكباش المشوية و المحمرة إلى الوزير ” المقري”، و من بعد إلى الأمراء و الأميرات، قبل أن تصبح دار ” المقري ” مسماة ( بالشفيرة ) عند الشرطة المركزية السرية ” ب. ف. 2 “.
لم نر النور ليل نهار، لأن أعيننا كانت معصوبة بعصابات سوداء. كنا ممتدين جنبا إلى جنب، كل واحد على غطائه المفروش فوق الإسمنت، ونشيد الطيور في الطبيعة و طقطقات خافتة للصحون المعدنية التي كنا نشرب فيها الحساء…
كل هذه الأصوات التي كانت تبدو آتية من بعيد، كانت تؤذن بقرب وصول الجلادين و أصوات الحرس التي أصبحت معروفة لدينا مع مرور الزمن، كانت تأمر بتناول الفطور، فيستوي من كان قادرا على الإستواء، في صليل من القيود والسلاسل، لأن الأيدي كانت مغلولة.. ثم تمسك يد بالكتف، تارة بلطف و أخرى بعنف، لتنبه إلى وجود الصحن عند القدمين.. و الكثير كان يزدرد الحساء ليقضي على ذوق الصابون الذي أشرب له بالأمس.. و البعض منا لم تكن له شهية الأكل لأسباب ليس من الصعب تصورها، و آخرون كانت أذرعهم مشلولة، لأنهم بقوا معلقين ساعات… و لعدة أيام على التوالي، حتى أن الحراس هم الذين يطعمونهم بأنفسهم.
أما الذين سمعوا أو حتى عاشوا تجربة المناضلين الذين سبق لهم أن نزلوا ضيوفا في هذه القاعة، من الطابق الأول من دار المقري، الواقعة في مزرعة على بعد 9 تسعة كلم من الرباط في طريق “زعير”، قد فرضوا على أنفسهم إمساكا مطولا عن الطعام، آملين أن يغمى عليهم خلال التعذيب، و لو أن هذا الإغماء غالبا ما كان يتعذر بالرغم من قساوة التعذيب.
يرن الجرس الكهربائي، وتهتز معه قلوبنا و أمعاؤنا و كل أعصابنا.. بنفس السرعة.. لقد وصلوا، فلم يبق أي وقت للتفكير، و يحدث الفراغ في رؤوسنا و العدم في نفوسنا، كأننا من عالم آخر… و في كل صباح كنا نتساءل بمنتهى الفزع: لمن تقرع “الأجراس”؟
لمن تقرع الأجراس؟
لم يكن لدينا في مواجهة هذا الموت البطيء، الذي كان يرفض بكل خبث وتعنت أن يصل إلى نهايته، إلا عقيدتنا الثورية وعزيمتنا و إيماننا الراسخ بالشعب و الجماهير.. و كان المرء يتمنى بدافع من غزيرة البقاء، التي يمليها علينا الجسد أكثر من العقل، أن يقرع الجرس لغيره.
“انهض يا فلان” يقولها بعض الحراس بنغمة من الأسى أحيانا، وغالبا بنغمة التشفي والتهكم.. ثم يدير المفتاح في القفل الذي يثبت السلسلة في أحد قضبان النافذة. ثم صليل الحديد الرهيب يبتعد شيئا فشيئا مع خطوات المعذب المكبل الرجلين، حتى يتلاشى في الدروج الملتوية المؤدية إلى القبو. ثم يرن الجرس مرة ثانية.. و ثالثة.. مرات متكررة.. حتى تبقى القاعة نصف فارغة.
وها خليط من الأصوات يندلع كالرعد من كل جانب، طرقات حادة تحدثها الهراوات عندما تنزل بكل ما لدى الجلادين من قوة على أخماص الأقدام.. و صيحات طويلة و صرخات و أنين و حشرجات و آهات و جعجعات… تقسم يمينا أنها منبعثة من حنجرة جمل يمر عليها السكين.
أما الذين لم يقرع الجرس بالنسبة إليهم بعد، فقد كانوا يتكبدون نفسيا عذاب رفاقهم و لو كانوا يخبئون رؤوسهم تحت الملاءات. غير أن دورهم لا يفتأ أن يصل، حيث كانت القضية دائما تنحصر في بعض الدقائق…
المجزرة المعتمة:
والقبو كان معملا حقيقيا للتعذيب، يشتغل فيه الجلادون بتسلسل، كل واحد حسب اختصاصاته. و كانت بسقف القبو حلقات مثبتة تتدلى منها حبال التعذيب.. اليدان و الرجلان موثقة وراء الظهر، معلقة بالحبل المدلى من الحلقة، والوجه متجه نحو الأرض. عشرون أنسانا كانوا يتركون في هذا الوضع لمدة ساعات متتالية كأكباش مهيأة للسلخ.
وبعد أقل من خمس دقائق من بداية التعذيب كان أنين التعذيب يبدأ بالتصاعد، لأن المرء كان يشعر أن ذراعيه تنفصلان عن جسده، و أن خناجر تطعنه وتمزق لحمه.. و عندما لا تبقى أي حلقة شاغرة للتعليق، يمدد المعذبون على مقاعد طويلة و يلفون بالحبال، كي تثبت أجسادهم عليها بإحكام.. وبعدما يقيد: المعصمان، والرسغان، والذراعان يعتنقان الركبيتن المثنيتين، يدخل قضيب حديدي بين انثناء الذراعين و الإبطين، و بعدما يرفع القضيب و يوضع على كرسيين أو على أي شيء يمكنه أن يحدث فراغ متر أو أكثر من العلو، يجد المعذب نفسه معلقا في الهواء، منثنيا على نفسه، و ذقنه على ركبتيه، و قدماه متجهتان نحو السقف، و رأسه على الأرض..
وحينما يحتل كل واحد مكانه، يشرع في التعذيب ب: الماء والخرقة ” الجفاف”، والصابون، والكهرباء، والضرب على أخماص الأقدام، و كان الضرب والجلد هو التعذيب المفضل لدى الجلادين الذين كانوا يجدون فيه نشوة هستيرية..
وذات صباح كان أحد الرفاق في قاعة الطابق الأرضي، التي تنفذ إليها جميع الأصوات المنبعثة من القبو، قد بدا في عد الضربات بالهراوة، والصرخات التي كانت تصحب كل ضربة يتلقاها أحد إخوانه، كان يعرف صوته جيدا، فوصل إلى عدد 375، قبل أن تغرورق عيناه بالدموع… فاستمرت الضربات طويلا بعد ذلك، لكن الصراخ انقطع..
وبعد الجلد يأتي التبريد والخنق بالماء، فيرتفع المقعد الطويل من جهة القدمين، لكي يصبح رأس و صدر المعذب المربوط على المقعد، منغمسين كليا في جفنة ماء، يبقى الرأس غارقا في الماء الذي يبدأ مستواه في الانخفاض بعد 30 ثانية أو أقل.. و حينما يشرب المعذب كمية لا بأس بها من: ماء، و كريزيل، و بول رجال الشرطة، وقيء من سبقوه إلى الجفنة، يعيد الجلادون المقعد إلى وضعه الأول، لكي يصبح الرأس في الهواء الطلق.. ولكن ما يفتأ المعذب أن يشهق حتى ينغمس رأسه في الجفنة من جديد، وبمجرد ما يستنفذ القليل من الهواء الذي تمكن من استنشاقه، سرعان ما يعود إلى الاحتفال بصبره وعناده و روح تضحيته بشرب الكوكتيل تلو الكوكتيل حتى الانهيار التام، ثم يعود المقعد إلى وضعه الأول، فتزعزعه يدان قويتان، ليتقيأ المعذب ما ابتلعه من ماء ممزوج بالقاذورات، ثم الضرب على الأقدام، ثم الكهرباء في الأذن و أصابع القدم و الجهاز التناسلي…ثم جفنة الماء من جديد، و أحيانا الجفنة والكهرباء في آن واحد، ثم الجلد من جديد وهكذا دواليك…
الخلود في الجحيم:
أما الدرجة الثانية فهي التعليق على قضيب الحديد، وكان أثره المباشر هو شل الذراعين والرجلين، ثم بطبيعة الحال الضرب على أخمص القدمين و الفخذين، ثم الكهرباء الذي يصعق جسم المعذب، الذي يهتز بقوة حتى يسقط على الرأس، لأن قضيب الحديد لم يثبت بإحكام على قاعدتيه..
ولكن أقسى ما في العملية هو الخنق بالخرقة والصابون، بحيث يوضع “الجفاف” على فم وأنف المعذب، الذي يكاد يلفظ نفسه الأخير، قبل أن تكف اليد الآثمة عن ضغطها لتترك شيئا من الهواء يتسرب من بين خيوط الجفاف.. لكن بمجرد ما يبدأ المعذب بالرجوع إلى الحياة ـ الموت ـ تفرغ اليد الآثمة الماء من زجاجة على الجفاف، وتحك الصابون الذي كانت قد ذرته عليه، ليعطي رغوته الكثيفة، والمعذب آنذاك يبدأ في ابتلاع رغوة “التيد” بعد استنشاق الهواء.. وحينما يحلو للجلادين أن يرفعوا الخرقة، فكأنهم فتحوا زجاجة الشمبانيا لتخرج رغوة الصابون كأنها حمم بيضاء لبركان ثائر، لأن المجال الحيوي للمعدة و الأمعاء والرئتين الملتهبتين أضيق بكثير من أن تسع كل هذه الرغوة المتكاثفة.
وإن الوطنيين والتقدميين والثوريين سيذهبون دوما روادا للفضاء، على متن سفينة ” أبولو ” التي صنعتها لهم أيها الملك العصري، الذي يشجع العلوم و الآداب و الفنون.. و أقول ” أبولو ” لأن هذا هو الاسم الذي أطلقه جلادوك على الدرجة الثالثة، و الأكثر همجية من كل عمليات التعذيب السابقة، حيث يبقى المعذب معلقا لمدة ساعات من ذراعيه و رجليه بواسطة حبل، كأنه كبش مذبوح ينتظر السلخ، وكأن ملايين السكاكين كانت تنغرز في لحمنا و تقطعه إربا إربا، وكل خلية من خلايا أجسادنا، وكل ليفة من ألياف عضلاتنا كانت تتمزق تحت وطأة عذاب لا يعرف حدا، وغالبا ما كان الضرب في ” أبولو” تعذيبا مضادا، لأنه كان يحول آلام كل الجسم إلى الأقدام وحدها، لكن الجلادين تفننوا في هذه العملية، لدرجة أنهم كانوا يشرحون أخمص الأقدام المنتفخة بشفرات الحلاقة، ويذرون الملح في الأخاديد المنهمرة بالدم، ويروونها بالكحول، و بعد هذه المجزرة البربرية.. كانوا يستأنفون ضربهم و جلدهم على هذا اللحم البشري الملتهب نارا و المسحوق سحقا.. و كان الدم يتناثر تحت صدمة الهراوة الصاعقة على وجه الجلادين، الشيء الذي كان يضاعف من شراستهم و هياجهم، و كانوا يضيفون على المعلق الذي قد يبدو لهم (صلب الرأس)، كرة حديدية يزيد وزنها على 20 كغ، و كرسيا يجعل الذراعين يشكلان زاوية قائمة مع الظهر.. و كانت الدقيقة الواحدة من التعليق في ” أبولو” تبدو لنا خلودا في الجحيم…
وكانت تصل بهم وحشيتهم حتى إلى جر تلك الأجساد المنهارة المتألمة، من الأرجل للصعود بها، ورؤوسها تصطدم بكل درج.. و عندما يتكدس المعذبون من جديد في الصالون، و لم يصل إليه أي ضجيج من الخارج إلا نقيق الضفادع، كنا ننسى معه أنين يوم آخر من عذابنا..
و في كل مساء يأتي ”الدكتور”، الذي هو في الحقيقة ممرض ضابط شرطة يحمل اسم “الحسوني”… والذي كان يتبجح بأنه ساهم مساهمة فعالة في اختطاف واغتيال المهدي بنبركة، لمعالجة المعذبين، لتهيئتهم للعمليات التي كانت تنتظرهم في الغد.. و غالبا ما كان الدواء أكثر ألما من الداء، إذ كانت الأقدام المنتفخة و المتقطرة بالدم، تغمس في أوان من الماء الساخن، تشعر به كأنه حامض الكبريت، والأفخاذ تغرز بإبر ”البينيسيلين”، وضد ”الطيطانوس” و ضد التعفن…
أما الظهر و البطن و الصدر وأجزاء أخرى من الجسم الموشومة بالسياط، والمكوية بجمرة السجائر و السيكار، فكان علاجها الوحيد هو الكحول، الذي يحدث فيها التهابا إضافيا.
أما الممرض البيطري، فحينما كان ينهي دورته كان يعلن لنا بنغمة متواضعة خبيثة، قبل أن ينسحب إلى قاعة، أخرى: ” هذا ما بوسعي أن أفعله لمعالجتكم، أما غدا في الصباح الباكر إن شاء ألله فستعالجون بأكثر فعالية “.
وبالفعل كان نشيد البلابل يعلن دائما وأبدا بدون انقطاع، يوم تعذيب آخر.. و كنا نسمع نفس الصرخات و نفس الأنين و نفس الخليط من الأصوات، و ذلك لمدة شهور متتالية، لدرجة أننا كنا نسمع يوم الأحد ـ الذي كان يوم راحة بالنسبة إلينا كذلك ـ أبناء الحراس القاطنين بجوار بناية ”دار المقري” في مزرعة الليمون، يلعبون لعبة التعذيب و يقلدون استنطاقات رجال البحث، و صرخات مختلفة للمعذبين.. لكن غالبا ما كنا نسمعهم في نفس الوقت يتشاجرون للتسابق على تمثيل دور المناضل المعذب..
أعدها للنشر: يوسف الطاهري
صحح بعض الأخطاء المعجمية، مع إضافة علامات ترقيم: مصطفى بوهو
الثلاثاء، 17 نوفمبر 2020
النقيب ذ. إبراهيم صادوق ومحاكمة مراكش 1971
المحامي المبدع والمثقف الوطني وكتابة السيرة الذاتية
كل شيء عن ما وقع ويقع في المغرب من انتهاكات حقوق الانسان: رحيل المناضل الاتحادي احمد خيار
المبكيات والمضحكات من زمن الرصاص
المبكيات والمضحكات من زمن الرصاص
باقتراب يوم إعلان الحكم النهائي، والذي لم يكن الدفاع متيقنا وقتها من اقترابه، خصوصا خلال الأيام الأخيرة من غشت 1971، كان السجن العسكري يفتح صدره للمتهمين ليخلصهم على الأقل من وطأة السجن في المعتقلات السرية التي كان يحس المتهمون أن دخولهم إليها بعد كل حصة استنطاق، ربما يكون الأخير. لأن فرضية التصفية النهائية أو الاختفاء الكلي كان قائما بقوة، خصوصا في الأيام القليلة التي سبقت العرض على المحاكمة. لكن بمجرد ما افتتحت الجلسات في يونيو وشوهد حضور الصحافة الدولية في الجلسة، تنفس بعض المتهمين الصعداء، خصوصا أحمد بنجلون والحبيب الفرقاني.
بالنسبة لأحمد بنجلون، فقد كان أخوه عمر بنجلون حاضرا في المحاكمة باعتباره محاميا ينوب عن المتهمين ويرافع عنهم وليس عن أخيه فقط. وسيكون مؤلما جدا لأحمد بنجلون أن يتوصل بخبر مقتل أخيه عمر، وهو في الزنزانة يقضي العقوبة التي حُكم عليه بها بعد محاكمة 1971، وسنصل إلى مرحلة النتائج لاحقا.
العلاقة مع انقلاب الصخيرات
يقال إن ما جعل وتيرة محاكمة مراكش تسير بسرعة في اتجاه الإعلان عن الأحكام، هو تداعيات انقلاب الصخيرات في العاشر من يوليوز 1971، حتى أن بعض المحامين الذين كانوا حاضرين في محاكمة الجنود المتورطين، كانوا قد عاشوا سابقا تداعيات الجلسات الأولى لمحاكمة مراكش، ولاحظوا كيف أن المحكمة اتخذت مسارا أسرع بعد انقلاب الصخيرات الذي كان ضربة مخططا لها للانقلاب على حكم الملك الراحل الحسن الثاني. أما في محاكمة مراكش فقد كان المتهمون يتابعون للتخطيط لوقائع لا توجد إلا في المحاضر!
وهذا الأمر كان مثارا لسخرية عدد كبير من المتابعين في القضية، لأن الذي خطط فعلا لقلب النظام في المغرب كان من داخل المؤسسة العسكرية واستغل جنود الدولة ومعداتها العسكرية لتنفيذ خطته التي لا ينكر أحد أنها كانت «ارتجالية». لكن العلاقة بين واقعة الصخيرات وقاعة محاكمة مراكش كانت وطيدة، ففي الوقت الذي تم فيه احتواء الأوضاع في الصخيرات بعد يوم عصيب وليلة أشد صعوبة، تم تسريع وتيرة محاكمة مراكش، خصوصا في أواخر شهر غشت لتطوى نهائيا، وقد أحس المحامون والمتابعون من بعيد، أن رئيس المحكمة قد بذل جهده لينال رضى الدوائر العليا، وينتقم من المتهمين شر انتقام. بدا هذا الأمر جليا في الأحكام الصادرة. إذ رغم أن الدفاع كان مطمئنا إلى أنه عرض على رئيس الجلسة كل ما من شأنه أن يقوي الطرح الذي يدافع عنه الدفاع والمتهمون، إلا أن الأحكام كانت قاسية جدا. وتقول بعض المصادر إن الأمر تم محاباة لبعض مستشاري الملك الراحل، خصوصا منهم الذين أصيبوا خلال محاولة انقلاب الصخيرات، وكانت بعض الجهات في القضاء تتخوف من غضب من محيط القصر إذا ما لم تكن الأحكام في حق المتهمين قاسية. إذ أن الدوائر العليا في تلك السنة بالذات، كانت غاضبة وناقمة من كل ما له علاقة بالأمن العام وأجواء الانقلابات، ومن سوء حظ المتهمين في قضية محاكمة مراكش 1971، أن التهمة التي كانت تلاحقهم تتعلق في جوهرها بتهديد الأمن العام وإقامة نظام آخر في البلاد، وهو الأمر الذي جعل من ضرورة استقلال الأحكام عن أي جهة من الجهات، أمرا مستحيلا. لأن الولاءات كانت تُشترى في مثل هذه المواقف بالذات، وهذا ما فسّر بعد سنوات طويلة، قساوة الأحكام رغم غياب الأدلة المادية التي تدعم التورط المفترض في مخطط للانقلاب على النظام في المغرب، وهكذا كانت العلاقة بين الصخيرات وقاعة محاكمة مراكش، واضحة لا غبار عليها.
مؤشرات مبكرة
من المؤشرات المبكرة التي جعلت بعض المحامين، خصوصا منهم المجربين أمثال بوعبيد وبوستة، يعلمون أن واقعة انقلاب الصخيرات ستؤثر لا محالة على محاكمة مراكش، هي الطريقة التي أصبحوا بها يدافعون عن المتهمين بعد الإعلان عن خبر وقوع انقلاب عسكري في قصر الصخيرات واستغلال الكولونيل اعبابو لثقة الملك الراحل الحسن الثاني ليوجه تلاميذ المدرسة العسكرية في «أهرمومو» صوب قصر الصخيرات بشكل مفاجئ، والجميع يحتفل بعيد ميلاد الملك الراحل. بمجرد ما أعلن في الراديو عن فشل الانقلاب العسكري، حتى قفز إلى ذهن عبد الرحيم بوعبيد وامحمد بوستة ومحمد بوزوبع، وآخرين، إمكانية تحول مجرى محاكمة مراكش، لأن التهمة التي يتابع بها المتهمون لم تكن يسيرة، وهاهم العسكريون، المعروفون بالصرامة، سجلوا تمردا غير محسوب، ضد أعلى سلطة في البلاد، ولا شك أن فروع السلطة ستجتهد في الضرب بيد من حديد على محيط الانقلابات وأي قضية أخرى فيها تهديد للأمن العام.
كان حدس محاميي الدفاع صائبا، إذ أن المحيط «المخزني» المجاور لعالم القضاء والخروج بالأحكام التي لم يكن عيبا وقتها الجهر بأنها تُملى عبر الهواتف، كان قد اجتهد وألقى بثقله كاملا على رئيس المحكمة الذي اختير بعناية، بالإضافة إلى النيابة العامة. هؤلاء كانوا جميعا يحومون في فلك معروف تابع لرجال الدولة النافذين، ومكالمة واحدة ستكون كافية لقلب كل شيء.
فرضية أخيرة تقول إن هؤلاء الممسكين بزمام إيقاع محاكمة مراكش، سيجتهدون من تلقاء أنفسهم لجعل الأحكام قاسية حتى لا يقال في الدوائر العليا إنهم تساهلوا مع المتهمين، وهكذا كان عليهم أن يعملوا على الضرب بقوة على يد المتهمين ما دامت التهمة مرتبطة بأمن الدولة وتهديد الأمن العام للمغرب.
الذين كانوا في موقف محرج هم المحامون الذين نصبوا أنفسهم متطوعين للدفاع عن المتهمين، إذ تحدث عبد الرحيم بوعبيد في مذكراته عن مضايقات تعرض لها المحامون بسبب استماتتهم في الدفاع عن متهمي قضية مراكش، بالرغم من واقعة المحاولة الانقلابية الفاشلة في الصخيرات والتي جعلت الجميع يتشددون في مواجهة أي تهمة تتعلق بالأمن العام، مخافة وقوع سيناريو مشابه. يقول بوعبيد إن مهمة الاصطفاف في خط الدفاع عن المتهمين، لم يكن سهلا بعد يوم 10 يوليوز 1971. ومحمد بوزوبع ذهب أيضا في نفس الطرح، إذ أن أصدقاءه قبل أن يصبح وزيرا في حكومة التناوب مع عبد الرحمن اليوسفي، تحدثوا عن مواقفه قبل أن يصبح وزيرا للعدل وقالوا إن أكثر ما يحسب له هو مواقفه الثابتة في محاكمة مراكش 1971، والتي بقي فيها مدافعا عن المتهمين، بالرغم من أن المغرب كان يعيش على تداعيات انقلاب الصخيرات، وكان بعض المحسوبين على الدوائر العليا، يشككون في وطنية كل من يدافع عن متهمي قضية مراكش أو الجنود الذين اقتيدوا كالخراف إلى انقلاب الصخيرات واتهموا جميعا بالخيانة والعمالة للأجنبي، وهي التهمة التي لم تكن سهلة أبدا في ذلك الوقت، خصوصا وأنه تم إعدام العسكريين الكبار الذين كانت تربطهم علاقة وطيدة بالكولونيل اعبابو الذي اعتبر الرأس المدرب لانقلاب الصخيرات.
في الأخير، كان هناك من يبحث عن مزيد من الرؤوس داخل محاكمة مراكش، لشنقها، بعد أن رُمي العسكريون المشكوك في ولائهم، بالرصاص غير بعيد عن قصر الصخيرات. المشكل أم متهمي محاكمة مراكش، كانت قضيتهم أكبر من جعلهم جميعا في خانة خيانة مؤسسات الدولة أو تهديد الأمن العام، فقد كان أغلبهم لا يعلمون أي شيء عما يقع حولهم.
تفاصيل الاستجواب المثير لعميد شرطة ممتاز جاء للشهادة وأحرجه عبد الرحيم بوعبيد
تفاصيل الاستجواب المثير لعميد شرطة ممتاز جاء للشهادة وأحرجه عبد الرحيم بوعبيد
لم تكن النيابة العامة لتقف مكتوفة اليدين، وهي ترى كيف أن كل المتهمين في المحاكمة، يتراجعون عن أقوالهم المسجلة في المحاضر ويؤكدون لرئيس المحكمة أن الأقوال التي بين يديه قد انتزعت منهم في وقت سابق تحت التعذيب وبالإكراه.
هنا، توجد حقيقتان مترابطتان. إذا عدنا لأغلب ما قيل وما كتب عن محاكمة مراكش وأحداث 1969 و1970، فإن أغلب الذين عاشوا تلك الأحداث قدموا روايات متماسكة تلتقي فيها حكاياتهم، وتترابط بشكل يجعلها منطقية على الأقل. والحقيقة الثانية أن أغلبهم قدموا شهادات في حق بعضهم، ولم يكن هناك أي تناقض فيما بينها، وهو ما لا يدع مجالا للتشكيك في مصداقية ما يروى من وقائع ترتبط بتلك المرحلة. والدليل يوجد فيما رواه الحبيب الفرقاني، قيد حياته، وما كتبه سعيد بونعيلات، أو محمد أجار، وهو الاسم الحقيقي الذي كان مسجلا به، بينما بونعيلات كان مجرد لقب أطلق عليه، ولم يكن يعرفه إلا قدماء المقاومة، حتى أن بعض المتهمين الأبرياء، كانوا لا يعرفون من يكون «بونيعلات» وأصر قاضي التحقيق على إجبارهم للاعتراف بعلاقتهم به، ولم يكونوا يعرفون أن الأمر يتعلق بشخص واحد يحمل اسمين.حوار غير عادي
تذكر المحاضر أن جلسة 25 غشت شهدت لعبة جديدة من النيابة العامة عندما بادر ممثلها إلى استدعاء عميد شرطة ممتاز كان اسمه الحمياني، للشهادة، ويقول إنه كان مكلفا بالاستنطاق في مراحل متفرقة من قضية اتهام المتابعين بالمساس بأمن الدولة والتخطيط لأعمال تخريبية.
افتتحت الجلسة إذن في التاسعة صباحا والربع، وبادر ممثل النيابة العامة إلى تذكير القاضي بأن السيد الحمياني موجود داخل القاعة، وهكذا سمح له القاضي باستدعائه بالإسم للمثول أمام المنصة. وهذا ما جاء في المحضر. وهكذا دخل المحامي عبد الرحيم بوعبيد على الخط لاستجواب عميد الشرطة بخصوص ملابسات وقائع استنطاق المتهمين، ولا يخفى عليكم بطبيعة الحال أن الأمر يتعلق بإثبات تعرض المتهمين للتعذيب والإكراه على توقيع المحاضر من عدمه. لنتابع:
«-الحمياني: 1936 بفاس. يسكن بالإدارة العامة للأمن الوطني. عميد شرطة ممتاز (بعد أداء اليمين القانونية).
-عبد الرحيم بوعبيد: نطلب من السيد الحمياني أن يؤكد هل هو ضابط الشرطة الذي كان مشرفا على الاستنطاق في مراحله المتعددة بهذه القضية.
-الشاهد: أنا رئيس الفرقة الوطنية وأنا الذي كنت أشرف على البحث في جميع مراحله.
-بوعبيد: بالنسبة للفوج الأول من المعتقلين الذي بدأ يوم 16 دجنبر 1969. كم دام الاستنطاق معهم؟
-الشاهد: يتبين من المحاضر تاريخ الاستنطاق. تجدون في المحضر تاريخ بداية الاستنطاق وتاريخ الانتهاء منه.
-بوعبيد: هذا شيء قمنا به. ولكن هناك تصريحات للمتهمين تقول إنهم دخلوا السجن العسكري في أوائل أبريل 1970. في حين أن تقرير الشرطة تقولون فيه إنهم بقوا تحت حراسة الشرطة إلى يوليوز 1970. على أي أساس استطعت إدخالهم السجن العسكري.
-الشاهد: لست أنا الذي أدخلتهم إلى السجن العسكري وإنما أحلتهم على النيابة العامة.
-بوعبيد: هذا غريب. أنت تقول في إحدى تقاريرك كمثال تقول إن الحبيب الفرقاني بقي تحت حراسة الشرطة. بمعنى أنهم بقوا كل هذه المدة في حراسة الشرطة.
-الشاهد: من المحاضر يتبين أني قدمتهم للمحكمة يوم 6 يوليوز ولم يكن تقديمهم في غير ذلك التاريخ.
-بوعبيد: هذا يتناقض تماما مع تصريحات المتهمين. إذا رغب الرئيس أن يستفسر أحد المتهمين فسيتبين متى دخلوا السجن العسكري.
-الشاهد: أثناء فترة الاعتقال الاحتياطي لا يمكنني أن أقدم شخصا للسجن العسكري قبل إنهاء البحث.
-بوعبيد: قلت إنك قدمتهم للنيابة العامة بالرباط. كيف تمت عملية التقديم؟
-الشاهد: عادة قبل تقديم ما يزيد عن مائة وثلاثين شخصا فلا يمكن تقديم هذا العدد في نفس الوقت وإنما نقدم له المحاضر. فينظر فيها هل من اختصاصه أم لا ويقترح علينا آنذاك كيف يتم التقديم. لما قدمنا له التقارير رأى أن الأمر ليس من اختصاصه. فصرح بعدم الاختصاص وتوجهنا عند وزير الدفاع.
-بوعبيد: أين كان المتهمون آنذاك؟
-الشاهد: كانوا عندي.
-بوعبيد: هل تؤكد أنهم بقوا عند الشرطة. فالذي يتبين من تعليقكم الآن أنكم قدمتم المحاضر فقط. بينما في المحاضر تقول إنكم قدمتم المتهمين أمام وكيل الدولة في الرباط.
-الشاهد: إن عملي كان تحت إمرة وكيل الدولة. فقانون المسطرة الجنائية يسمح لي بأن أطلق سراح الشخص الذي لم يثبت في حقه شيء. وأؤكد أني لم أقدم المتهمين لوكيل الدولة وإنما قدمت له المحاضر».
..وبدأت الأوراق تتساقط
في الحلقة المقبلة سنكمل بقية الحوار الساخن بين دفاع المتهمين ممثلا في عبد الرحيم بوعبيد، وبين الشاهد، الذي استدعته النيابة العامة بصفته رجل الأمن القوي الذي أشرف على المراحل التي مر بها المتهمون. لكن بوعبيد لم يكن عابئا بالمهمة الرسمية لعميد الشرطة الممتاز بقدر ما كان متهما بالبحث عن مواطن التناقض بين الرواية الشفهية التي يقدمها وبين ما جاء في المحاضر، محاولا ضبط التواريخ لصدم الشاهد والنيابة العامة بالفراغات الزمنية غير المبررة، والتي كان فيها المتهمون يتعرضون للتعذيب في الأقبية السرية، إذ أن الفرق بين تواريخ الاختطاف التي قدمها المتهمون وعائلاتهم، تتفاوت مع تاريخ الإعلان الرسمي والقانوني عن اعتقال ومتابعة المتهمين.
كانت القاعة تتابع المشهد بكثير من الانتباه، خصوصا أن عميد الشرطة كان متماسكا، ولم يقبل أن يرمي الكرة في ملعب وكيل الدولة أو النيابة العامة، ودافع باستماتة عن كونه اكتفى بإحالة المحاضر كما ينص القانون، وأنه أيضا احتفظ بالمتهمين عنده، لكن روايته للأسف، كانت قابلة للطعن بسهولة، ليس من قبل الدفاع فقط، وإنما من قبل المتهمين أيضا، الذين كان أغلبهم، يعرفون جيدا المناطق التي عذبوا فيها والأقبية التي قضوا فيها أسابيع مظلمة في انتظار التحقيق معهم.
ونحن نقترب من نهاية هذه الحلقات، سنواجه المراحل الأخيرة من المحاكمة، مع ما قيل عنها بعد عقود طويلة (أكثر من أربعين سنة) على طي صفحتها نهائيا، بأخطائها وأحكامها التي قيل عنها إنها كانت ظالمة ومجحفة، ولحسن الحظ فإن عفوا أعقبها، لاحتواء المشكل الذي انطلق في إطار حرص الدولة على أمنها الداخلي وانتهى بمصادرة حرية أشخاص تبين لاحقا أنه لم تكن لهم أي علاقة بمخطط كان يُطبخ في الخفاء.
وحتى لا تضيع الخيوط، سنكمل أولا الحوار الساخن بين عبد الرحيم بوعبيد، الذي كان قد استأثر في تلك الجلسة بثلثي النقاش تقريبا، ولم تتعبه ساعات الجلسة التي كان طولها يزداد بتمدد ساعات الصيف الذي كان يشارف على الانتهاء، بعد أن كان لاحفا لكل الذين زاروا مراكش لمتابعة الجلسات الساخنة.
كيف سينقذ عميد الشرطة نفسه من فخاخ عبد الرحيم بوعبيد، وكيف سيبرر التناقضات الزمنية بين الروايات المقدمة في المحاضر الرسمية، والموقع عليها من طرف المتهمين والنيابة العامة أيضا.
تمديد فترات الاعتقال لعدد كبير من المعتقلين
باقتراب المحاكمة من نهايتها، كانت النقطة التي ناقشها دفاع المتهمين بقوة، تتعلق بسبب تمديد فترات الاعتقال لعدد كبير من المعتقلين، تجاوزت 7 أشهر. نحن هنا نتحدث عن الفترة التي سبقت المحاكمة، لأنها لعبت دورا كبيرا في رسم مسار الجلسات من بدايتها إلى نهايتها.
دعونا في هذه الحلقة نقفز أزيد من أربعين سنة إلى الأمام، ما دمنا نتحدث عن صيف 1971، وبالضبط إلى الندوة التي أقامها النقيب المحامي عبد الرحيم بن بركة عندما أعلن عن صدور كتابه الذي يؤرخ للمحاكمة وفصولها وأطوارها وما تخللها من حوادث. كان موقفا عاطفيا بامتياز، إذ أن القاعة التي احتضنت اللقاء، شهدت حضور عدد من ضحايا المحكمة السابقين الذين كانت صدورهم تحفظ وقع مطرقة القاضي في تلك الجلسات الصيفية الكئيبة، وكانت القاعة تُرجع إليهم صدى قاعة مشابهة، شديدة القتامة، احتوتهم جميعا في عز الأزمة ليروا كيف أن قلة من رجال القضاء كان موكولا إليهم البت في مستقبل كل أولئك الذين كانوا في قمة شبابهم، والتهمة كانت ثقيلة لا تحتمل المزاح.
عودة إلى الرجل الغامض
(بعد كل هذه الحلقات التي تحدثنا فيها عن كواليس الإعداد لمحاكمة مراكش وكيف نُقل إليها المتهمون وحصص التعذيب التي تعرضوا لها، والجلسات الأولى وكواليسها ومداخلات المحامين والإكراهات التي كانت تحيط بأجواء المحاكمة، لا بأس أن نعود إلى الرجل الذي التقيناه، في اللقاء الذي أقامه النقيب عبد الرحيم بن بركة قبل سنتين عند الإعلان عن كتابه. فالرجل، «سي محمد»، الذي كان واحدا من الذين تمت محاكمتهم بتهمة تهديد النظام في المغرب والتخطيط لعمليات مسلحة تستهدف الأمن العام للمواطنين، كان قد قرر أن يبدأ حياة جديدة بعيدا عن رفاقه. اخترنا أن نعود إلى قصته في الحلقات الأخيرة من هذه السلسلة، لأن له قصة طريفة مع الأحكام التي صدرت في حق المتهمين. يقول لـ «الأخبار» إنه كان يعيش أياما رتيبة في السجن العسكري في القنيطرة، وكان وقتها قد سمع عن المتهمين في انقلاب الصخيرات العسكري، وكان يتساءل مع بقية أصدقائه، عن سر سخرية الحياة التي جمعت بين عسكريين تورطوا في انقلاب عسكري لا يعرفون عنه أي شيء، وبين مدنيين تورطوا هم أيضا في مخطط سري لم يكونوا يعلمون عنه أي شيء أيضا. لكن القائمين على السجن كانوا حريصين على ألا يقع أي اتصال بين الطائفتين، وهكذا كان العسكريون قد قرؤوا عن قصة المتهمين المدنيين في جرائد المعارضة، وكان المدنيون الذين تتم محاكمتهم في تلك الأيام، يسمعون كثيرا من المحامين وعن طريق الجرائد، قصص تلاميذ المدرسة العسكرية بأهرمومو والمخطط الذي قام به الكولونيل اعبابو ولم يكلل بالنجاح.
يقول نفس المصدر إن بعض المتهمين، أمثال سعيد بونعيلات، أو محمد أجار، حسب الوثائق الرسمية، بالإضافة إلى متهمين آخرين من قدماء المقاومة، تألموا كثيرا عن سماعهم بخبر الانقلاب العسكري الذي كان مخططا له، وفرحوا لأن الانقلاب فشل، وكانوا قلقين بخصوص السلامة الجسدية للملك الراحل الحسن الثاني، وهو الأمر الذي كان يعكس مستوى الوطنية الكبير الذي كانوا يحتفظون به، رغم ما عاشوه من معاناة في الأقبية السرية. إذ أن بونعيلات وآخرين ظلوا يؤكدون على أمل كبير يسكنهم يُنهي معاناتهم مع الاعتقال والمتابعة بتهمة استهداف النظام. هذا الأمل كان يتمثل في تدخل مباشر من الملك الراحل الحسن الثاني ليوقف تلك «المهزلة» وهو ما وقع بالفعل مرة قبل محاكمة 1971، وسيقع بشكل غير مباشر عندما يقرر الملك الراحل العفو عن المتهمين بعد صدور أحكام كثيرة بالإعدام في حق عدد كبير من المتابَعين الذين كان الملك الراحل يعرفهم شخصيا بحكم تعامله معهم أثناء عمليات جمع سلاح المقاومة وتسليمه للجيش الملكي.
تقول بعض المصادر إن الماضي المشترك بين الملك الراحل الحسن الثاني وبين بعض الأسماء القديمة في المقاومة، هو الذي جعله يتدخل ليطلع على الملفات ويوقف كل شيء، ويأمر بعفو ملكي على جل الذين توبعوا بعد المحاكمة وتمت إدانتهم، لتبقى بعض الأحكام قائمة في حق بعض الذين حوكموا غيابيا، لأن ملفاتهم كانت ثقيلة، وكان العفو يتطلب عودتهم أولا للمغرب للبحث معهم في المنسوب إليهم.)
هذا الجيل من الذين عاشوا المحاكمة وكانوا من بين ضحاياها، لديهم فلسفة عميقة ومختلفة بخصوص الجلادين الذين أشرفوا على تعذيبهم، إذ يقول أغلبهم إن الأمر كان مقدرا له أن يتم بتلك الطريقة، وأن الدولة كانت تقوم بالاحتياطات اللازمة لإيقاف المخططات الخارجية التي من شأنها أن تعصف بالبلاد، فيما يرى جيل آخر من الشبان، خصوصا منهم اليساريون الذين جايلوا محمد اليازغي وآخرين، أن ما وقع يعتبر جريمة سياسية في حقهم وفي حق كل الذين تعرضوا للتعذيب بتهمة المشاركة في مخطط لم يكونوا يعرفون عنه أي شيء.
عندما كانت الجلسات تحتضر
كان الجميع يحسون بالتعب مع اقتراب موعد الجلسات الأخيرة، لم يكن رئيس الجلسة كذلك ولا حتى ممثل النيابة العامة. كانوا يرفعون إيقاع الجلسات الأخيرة، فيما لاحظ المتابعون والمتهمون أن طاقة عبد الرحيم بوعبيد قد بدأت تخفت. المحاضر التي جمعها النقيب عبد الرحيم بن بركة، لا تُظهر خمولا في أداء الدفاع، بقدر ما تبين أن المحامين كانوا يرفعون إيقاع الأسئلة ويحاصرون النيابة العامة إلى حين الجلسة التي تم فيها النطق بالأحكام. لكن المصادر التي تحدثنا إليها قالوا إنهم أحسوا في الأخير أن عبد الرحيم بوعبيد وامحمد بوستة، قد بدءا يفقدان الأمل في إنقاذ بعض الرقاب من حكم المشنقة، وبدا الأمر واضحا في مداخلاتهما. من المرجح أن يكون هذا الأمر واردا إن لم يكن صحيحا، لأن الظروف التي مرت فيها الجلسات الأخيرة كانت عصيبة، وانقلاب الصخيرات كان قد ألقى بظلاله على كل شيء، وبالتالي كان محامو الدفاع يتوقعون، رغم الاستماتة التي دافعوا بها عن الجميع بدون استثناء، أن تكون الأحكام قاسية، لأن العاملين في منصة القضاء، لا بد وأن يحرصوا على إرسال رسالة مشفرة إلى محيط الملك ومستشاريه الذين كانوا يتابعون الجلسات منذ انطلاقها، مفادها أنهم يجتهدون في معاقبة المتهمين بأي تهمة تتعلق بمس النظام أو السلامة الجسدية للملك الراحل الحسن الثاني، خصوصا وأن انقلاب الصخيرات جعل الجميع في المغرب يضعون أيديهم على قلوبهم، بما في ذلك العسكريون، فما بالك بموظفي القضاء. حتى أن بعض المصادر القريبة من أجواء المحاكمة قالت في وقت سابق لصحف المعارضة، إن موظفي المحكمة وبعض القضاة، كانوا يتخوفون من أن تتخذ الدولة ضدهم إجراء ما إن هم أبانوا عن أي تعاطف مع المتهمين، مخافة أن يتم تصنيفهم في خانة الانقلابيين أو المتعاطفين معهم، لذلك كانت السكاكين، تُشحذ طيلة الأسبوعين اللذين سبقا إعلان الأحكام في قضية محاكمة مراكش.
-
هكذا طبخت أحكام الإعدام والمؤبد واتجهت المحاكمة نحو النهاية المأساوية 15 سبتمبر، 2016 تحدث البعض عن كون الأحكام تسربت إلى بعض الجهات الن...
-
كل شيء عن ما وقع ويقع في المغرب من انتهاكات حقوق الانسان: رحيل المناضل الاتحادي احمد خيار : توفي هذا الصباح بقسم الإنعاش بمستشفى ابن طفيل ...
-
لمن تقرع الأجراس” 12/12/2015- وثيقة نادرة للفقيد: أحمد بنجلون بعد اعتقاله بمدريد ” إسبانيا” سنة 1970 و تسليمه رفقة “سعيد بونعيلات” إلى ...











