الرباط : «الشرق الأوسط»
«اللافت للانتباه أن كل الصراعات المتصاعدة والمحاكمات التي تلاحقت مند بداية الاستقلال بالمغرب إلى منتصف السبعينات على مدى 19 سنة، ظلت مطوية ومجهولة، لا يجرؤ أحد على تناولها والنبش في أسرارها، ربما تهيبا من خطورة الأحداث، وتخوفا من حساسياتها وملابساتها الشديدة والخطيرة المضامين. فبقيت هذه المرحلة من تاريخنا الحديث مجهولة». هكذا قدم السياسي المغربي محمد الحبيب الفرقاني لمؤلف محمد لومة «المس بأمن الدولة من خلال محاكمة مراكش الكبرى: ثورة شعبية؟ أم مناورة للتحريك؟». ويتزامن صدور هذا الكتاب مع عدد من الإسهامات في الساحة الفكرية والإبداعية المغربية اتخذت أشكالا أدبية مختلفة، وتؤرخ جميعها، بهذه الدرجة أو تلك، لمراحل من تاريخ المغرب تميزت بحالات الشد والجذب بين السياسيين المغاربة المنتظمين في الهيئات اليسارية الراديكالية التابعة منها لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لاحقا) الذي يقوده عبد الرحمان اليوسفي الوزير الأول المغربي في الحكومة الحالية، أو الحركات اليسارية التي كانت تعمل في السرية من جهة وبين والسلطات الأمنية المغربية من جهة أخرى في السنوات الأولى لاعتلاء الملك الراحل الحسن الثاني الملك في فترة الستينات. وعرفت هذه الفترة وما تلاها أشهر المحاكمات في تاريخ المغرب، تلك التي أعقبت أحداث 1963 أو ما يعرف بالمؤامرة التي استهدفت الإطاحة بالنظام حينئذ، ثم محاكمة خلايا التنظيم السري المتفرع عن حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، الذي كان يستهدف السيطرة على الحكم بقوة السلاح ـ حسب مذكرة الاتهام ـ مع نهاية الستينات وبداية السبعينات وهو ما يعرف بمحاكمة مراكش 1971. ثم بعدها مباشرة وفي نفس السنة عقدت محاكمة الوزراء الشهيرة المتورطين في ملفات الفساد، فالمحاكمات التي ارتبطت بانقلابي قصر الصخيرات صيف 1971 والطائرة الملكية في السنة التالية. وكتاب محمد لومة (دراسة قانونية وسياسية وتنظيمية وأمنية) يستعرض مختلف المراحل التي سبقت وأعقبت محاكمة مراكش، في 296 صفحة من القطع المتوسط، مقسما إلى ثلاثة أقسام وخاتمة وملاحق، قدم له كل من النقيب عبد الرحمان بن عمرو الرئيس السابق للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والسياسي اليساري المعروف محمد الحبيب الفرقاني عضو المكتب السياسي السابق للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وأحد المتهمين والمحاكمين في محاكمة مراكش.ويتحدث القسم الأول عن التنظيم السري لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية (والمؤلف أحد المنتسبين لهذا التنظيم) وطموحاته في النجاح والسيطرة على الحكم في المغرب وعن ظروف الحصار الذي نجحت في إحكامه السلطات المغربية قبيل سقوطه بعد فشله في مواجهة محاولات الاختراق الأمني. أما الجزء الثاني فيتناول المحاكمة وما تميزت به من أطوار تأرجحت بين الحدة أحيانا والمهادنة وشد الحبل أحيانا أخرى، بنظرة تستقرئ الوثائق والأحكام وملفات الادعاء ومرافعات المحامين الذين قادهم في ذلك الوقت الراحل عبد الرحيم بوعبيد أحد أبرز قادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، ساعده في الدفاع عن المتهمين الذين يتجاوزون المائتين أكثر من 50 محاميا منهم رجال سيتبوءون مراكز سياسية مرموقة بعد ذلك كمحمد بوستة أمين عام حزب الاستقلال السابق ووزير الخارجية في الحكومة المغربية في بداية الثمانينات.
أما الجزء الثالث من الكتاب فيستعرض المؤلف فيه أهم الخلاصات التي خرج بها من قراءته للأحداث في ارتباطها وتواترها، قبيل وإبان المحاكمة، ثم يلحقه بمجموعة من الصور تنشر لأول مرة في كتاب. ومما جاء في المقدمة التي كتبها النقيب بنعمرو أن الكتاب يعرض للمؤامرات السياسية والاقتصادية التي ساهم في صنعها وحبكها الاستعمار الفرنسي وعملاؤه من الإقطاعيين وأصحاب المصالح، انطلاقا من ما اسماه بن عمرو بدسائس مفاوضات واتفاقيات سان كلو، وإكس ليبان، ومرورا بمحاولات تصفية المقاومة وجيش التحرير المغربي، وانتهاء بما يسميه تزييف الإرادة الشعبية وحرمان الشعب المغربي من حقه في تقرير مصيره السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وفي التمتع بثرواته وبحرياته، وبصفة عامة بكرامته المادية والمعنوية.
ويستعرض الكتاب كذلك المناخ المضطرب الذي ميز هذه الفترة منذ أول تجربة ديمقراطية سمح بإجرائها في المغرب، مع حكومة الرئيس عبد الله ابراهيم، المعروفة بالحكومة الوطنية مع نهاية الخمسينات وبداية الستينات، والتي لم تستطع الصمود أكثر من ثلاث سنوات في شروط التوتر والشعور المتزايد بالخوف من المستقبل، تلتها مباشرة مرحلة إعلان حالة الطوارئ بتوقيف التجربة والدستور معا، استمرت اثنتي عشرة سنة (1965-1977). ثم تأتي بعد ذلك مرحلة وزير الداخلية الأسبق الجنرال محمد أوفقير بسلطاته الواسعة والمطلقة ـ كما يقول الفرقاني في تقديمه للكتاب ـ فأحكم القبضة الحديدية، ورفع درجات التوتر، وانفجرت الأحداث وحملات القمع الواسعة، تلتها سلسلة من المحاكمات ميزت عقد الستينات. وكان اسم «المؤامرة» هو اليافطة التي كان يحملها أوفقير ويعلقها على باب كل تحرك أو احتجاج أو تنظيم أو اجتماع، يضيف الحبيب الفرقاني، وفي هذا السياق تمت الاعتقالات الواسعة لسنتي 1969-1670، تلتها المحاكمة المعروفة بمحاكمة مراكش الكبرى.
* المس بأمن الدولة من خلال محاكمة مراكش الكبرى ـ 1971
* ثورة شعبية؟ أم مناورة للتحريك؟
* الكاتب: محمد لومة
* الناشر: مطبعة بني ازناسن ـ سلا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق